أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
139
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
وبعد وفاة السيّد الإصفهاني جاءت الوفود لحضور الفاتحة من أنحاء العالم - من السنّة والشيعة - ولكنّ الحكومة العراقيّة لم ترسل أيّ ممثّل عنها . وقد احتجّ السيّد محسن الحكيم على هذا الموقف ، فأرسل الملك مندوباً عنه لفاتحة الأربعين « 1 » . وضع السيّد الصدر الدراسي عند هجرته إلى النجف الأشرف في النجف الأشرف بدأ السيّد الصدر حياة جديدة ملؤها الجدّ ، فكان دؤوباً على طلب العلم بشكل منقطع النظير ، وكان يستثمر من كلّ يوم ستّ عشرة ساعة لتحصيل العلم ، فمن حين استيقاظه إلى ساعة النوم كان يلاحق المطالعة والتفكير ، عند قيامه وقعوده ومشيه ، وكان لا يرى شخصه في الأندية والمجالس إلّا قليلًا « 2 » . يقول : « إنّني في الأيّام التي كنت أطلب العلم ، كنت أعمل في طلب العلم كلّ يوم بقدر عمل خمسة أشخاص مجدّين » « 3 » ، « كنتُ أذهبُ صباحاً إلى غرفةٍ صغيرةٍ في الطابق الأعلى من البيت وأنكبُّ على المطالعة والتحقيق ولا أنتبه إلى الوقت إلّا عندما تناديني أمّي لتناول طعام الغداء ومن ثمّ أصعد وأكمل حتّى شطر من الليل » « 4 » . وكانت هذه الغرفة بين الطابق الأرضي وبين السطح ، ويُصطلح عليها ب ( نيم كار ) ، ويصفها السيّد الصدر بقوله : « هذه الصغيرة صغيرة الحجم وفيها فتحة مدوّرة للتهوية والإضاءة ، وكان سقفها منخفضاً بحيث عندما أقف بكامل قامتي يضرب رأسي سقف الغرفة ، لذا أضطرُّ إلى الانحناء عند الدخول والخروج أو الحركة فيها . كنتُ أذهب إلى هذه الغرفة في بداية دراستي في النجف بعد صلاة الفجر مباشرةً وأقرأ وأراجع إلى أن ينادوني على طعام الغداء » « 5 » . ويقول : « إنّني كنت أعيش في منتهى الفقر والفاقة ، ولكنّني كنت أشتغل منذ استيقاظي من النوم في كلّ يوم بطلب العلم ، كنت أنسى كلّ شيء وكلّ حاجة معيشيّة إلى أن كنت أفاجأ من قبل العائلة بمطالبتي بغذاء يقتاتون به وكنت أحتار عندئذٍ في أمري » « 6 » . يقول الشيخ محمّد رضا النعماني : « اتّخذ السيّد الشهيد منهجاً خاصّاً لتربية نفسه من الناحية العلميّة ، فقد كان - وكما سمعت منه - يقتطف أكثر من عشرين ساعة من الليل والنهار للتحصيل العلمي ، وكان
--> ( 1 ) من مذكّرات السيّد مهدي الحكيم : 48 ( 2 ) انظر : ترجمة السيّد الصدر ، الشيخ محمّد رضا النعماني ؛ ترجمة السيّد الصدر ، السيّد محمّد الغروي - ؛ الإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر . . دراسة في سيرته ومنهجه : 63 ؛ أسرة آل الصدر : 206 . وقد نقل الشيخ محمّد رضا النعماني في ما يأتي وفي مقابلة ( 1 ) معه - عن السيّد الصدر قوله : إنّه كان يدرس عشرين ساعةً وينام أربع ساعات ، ولا يستقيم ذلك إلّا إذا قلنا بشموله لساعات الصلاة والأكل والراحة ، فيكون الخالص منها عبارة عن ستّ عشرة ساعة ( 3 ) مقدّمة مباحث الأصول : 47 ( 4 ) ترجمة السيّد الصدر ، السيّد محمّد الغروي - ( 5 ) الصدر في ذاكرة الحكيم : 45 ، وقد نقلها السيّد محمّد الحيدري عن السيّد الصدر ، وعلّق على ذلك بأنّ السيّد الصدر كان قصير القامة ، فكيف كانت حال الغرفة ؟ ! ونضيف بأنّه كان لا يزال في الثانية عشرة من عمره ( 6 ) مقدّمة مباحث الأصول : 47 .